أخبار الساعة » السياسية » عربية ودولية

بقلم بان كي مون: يا إسرائيل، الرسول لا يُقتل!

- محمد داوود
بدأ عام 2016 مثلما انتهى عام 2015، في إسرائيل والأرض الفلسطينية المحتلة - بمستويات عنف غير مقبولة وباستقطاب في الخطابات العامة. 
 
وقد تبدى ذلك الاستقطاب الأسبوع الماضي في قاعات الأمم المتحدة حينما أشرت إلى حقيقة بسيطة: لقد أثبت التاريخ أن الشعوب تقاوم دائما الاحتلال.
 
وحاول البعض قتل الرسول - محرفين عباراتي لجعلها مبررا ملفقا للعنف. وأقول إن عمليات الطعن، والدهس بواسطة السيارات، وغير ذلك من الهجمات التي يستهدف بها فلسطينيون مدنيين إسرائيليين أعمال مستنكرة شأنها شأن عمليات التحريض على العنف وتمجيد القتلة.
 
وليس ثمة من عذر للإرهاب. وإني أدينه إدانة قطعية.
 
غير أنه من غير المعقول أن التدابير الأمنية وحدها ستوقف العنف. فكما نبهت مجلس الأمن الأسبوع الماضي، يتزايد الشعور بالإحباط والظلم لدى الفلسطينيين تحت نير احتلال ناهزَ نصف قرن. 
 
وتجاهُل هذا الأمر لن يجعله يختفي. فلا أحد يمكنه أن ينكر أن الواقع اليومي للاحتلال يثير الغضب واليأس، وهما أهم عاملين من العوامل الدافعة إلى العنف والتطرف ويقوضان أي أمل في إيجاد حل قائم على دولتين عن طريق التفاوض.
 
وما برحت المستوطنات الإسرائيلية تتسع. فقد وافقت الحكومة مؤخرا على خطط لبناء أكثر من 150 منزلا جديدا في مستوطنات غير قانونية في الضفة الغربية المحتلة. وفي الشهر الماضي، أعلن 370 فدانا من أراضي الضفة الغربية بمثابة "أراض حكومية''، وهو وضع يفضي عادة إلى استغلال حصري للمستوطنين الإسرائيليين.
 
وفي الوقت نفسه، يواجه آلاف من منازل الفلسطينيين في الضفة الغربية خطر الهدم بسبب عوائق قد تكون قانونية على الورق ولكنها تمييزية في الممارسة العملية. إن الفلسطينيين - لا سيما الشباب منهم، يفقدون الأمل بسبب ما يبدو أنه احتلال قاس ومهين ولا ينتهي. كما أن الإسرائيليين يعانون من هجمات تكاد تكون يومية وتحجب عن أبصارهم إمكانية التوصل إلى سلام شامل مع الفلسطينيين.
 
وإلى جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الروسي، تدعو الأمم المتحدة إلى إحداث تغييرات كبيرة في السياسات لتعزيز الركائز الاقتصادية والمؤسسية والأمنية للسلطة الفلسطينية. 
 
وإننا نجري اتصالات مع البلدان العربية في المنطقة لحشد الدعم الذي يحتاجه الجانبان لتحقيق السلام والأمن للإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.
 
ونواصل العمل مع إسرائيل والسلطة الفلسطينية لإعادة إعمار غزة ومنع اندلاع نزاع مدمر آخر، وللضغط على الفلسطينيين من أجل إجراء مصالحة وطنية حقيقية. وبطبيعة الحال، فإن الوصول إلى اتفاق دائم بين إسرائيل وفلسطين سيستدعي حلولا توفيقية صعبة يتبناها القادة والشعبان على الجانبين. ولا بد أن تدعم السلطات الإسرائيلية دعما لا لبس فيه السلطة الفلسطينية والمؤسسات الفلسطينية. وهذا يقتضي إحداث تغييرات كبيرة في السياسات تجاه الضفة الغربية وغزة، مع مراعاة الشواغل الأمنية المشروعة لإسرائيل.
 
ويمكن لهذه الخطوات أن تبدأ بالسكن والمياه والطاقة والاتصالات والزراعة والاستفادة من الموارد الطبيعية. وينبغي أن تشمل، على وجه التحديد، الموافقة الفورية على الخطط الرئيسية المقترحة من المجتمعات المحلية الفلسطينية في المنطقة جيم الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية، وهو ما سيهيئ بيئة مواتية للاستثمار والتنمية.
 
ويتعين على الفلسطينيين، من جانبهم، أن يتوصلوا إلى حلول سياسية توفيقية تضع غزة والضفة الغربية معا تحت حكم سلطة ديمقراطية واحدة وفقا للمبادئ التي حددتها المنظمة الوطنية التي ينضوون تحت لوائها، وهي منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا يعني قيامهم بشجب الإرهاب باستمرار وبشدة، واتخاذ إجراءات وقائية تضع حدا للهجمات على الإسرائيليين، بما يشمل الوقف الفوري لبناء الأنفاق في غزة.
 
وسأقف دوما في وجه من يطعنون في حق إسرائيل في الوجود، كما سأدافع دوما عن حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم. ولذلك فإنني قلق من أننا على وشك الوصول إلى نقطة اللاعودة فيما يتعلق بالحل القائم على وجود دولتين. وإنني منزعج من تصريحات بعض كبار أعضاء حكومة إسرائيل الداعية إلى التخلي عن هذا المسعى برمته.
 
إن حالة الجمود هذه تحمل في طياتها مخاطر جمة لكلا الجانبين، منها استمرار موجة الإرهاب والقتل الدموية؛ وانهيار السلطة الفلسطينية؛ وزيادة عزلة إسرائيل وتعرضها لمزيد من الضغوط الدولية؛ وتآكل الأساس الأخلاقي للمجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني، اللذين أصبح كل منهما متعودا أكثر من أي وقت مضى على آلام الآخر.
 
ومن الطبيعي أن تتعرض الأمم المتحدة للانتقاد - أو أن أتعرض شخصيا للهجوم. لكن حين تكون مشاعر القلق الصادقة إزاء ما يشوب السياسات من قصر نظر أو ضرر أخلاقي آتية من مصادر شتى، منها أصدقاء إسرائيل المقربون، فإنه لا يمكن الاستمرار في مهاجمة كل صديق أو منتقد ذي نوايا حسنة.
 
صحيح أن كل امرئ حر في أن ينتقي ويختار ما يحبه أو يكرهه في الخطابات، لكن الوقت قد حان ليقوم الإسرائيليون والفلسطينيون والمجتمع الدولي بقراءة استشرافية للأحداث: فهي تشير إلى أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار. ذلك أن إبقاء شعب آخر تحت وطأة الاحتلال إلى ما لا نهاية يقوض أمن ومستقبل الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء.

Total time: 0.0512